القرطبي
158
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
أطفأها ، كراهية أن ينتفع بها أحد . فشبهت العرب هذه النار بناره ، لأنه لا ينتقع بها . وكذلك إذا وقع السيف على البيضة فاقتدحت نارا ، فكذلك يسمونها . قال النابغة : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب تقد السلوقي المضاعف نسجه * وتوقد بالصفاح نار الحباحب ( 1 ) قوله تعالى : فالمغيرات صبحا ( 3 ) الخيل تغير على العدو عند الصبح ، عن ابن عباس وأكثر المفسرين . وكانوا إذا أرادوا الغارة سروا ليلا ، ويأتون العدو صبحا ، لان ذلك وقت غفلة الناس . ومنه قوله تعالى : " فساء صباح المنذرين " ( 2 ) [ الصافات : 177 ] . وقيل : لعزهم أغاروا نهارا ، و " صبحا " على هذا ، أي علانية ، تشبيها بظهور الصبح . وقال ابن مسعود وعلي رضي الله عنهما : هي الإبل تدفع بركبانها يوم النحر من منى إلى جمع . والسنة ألا تدفع حتى تصبح ، وقاله القرطبي . والإغارة : سرعة السير ، ومنه قولهم : أشرق ثبير ( 3 ) ، كيما نغير . قوله تعالى : فأثرن به نقعا ( 4 ) أي غبارا ، يعني الخيل تثير الغبار بشدة العدو في المكان الذي أغارت به . قال عبد الله ابن رواحة : عدمت بنيتي إن لم تروها * تثير النقع من كنفي كداء ( 4 ) والكناية في " به " ترجع إلى المكان أو إلى الموضع الذي تقع فيه الإغارة . وإذا علم المعني جاز أن يكنى عما لم يجر له ذكر بالتصريح ، كما قال " حتى توارت بالحجاب " ( 5 ) [ ص : 32 ] . وقيل : " فأثرن به " ،
--> ( 1 ) السلوقي : الدرع المنسوبة إلى سلوق قرية باليمن . والصفاح : جمع صفاحة وهي الحجر العريض . ( 2 ) آية 177 سورة الصافات . ( 3 ) ثبير : جبل بقرب مكة وهو على يمين الذاهب إلى عرفة . أي ادخل في الشروق وهو ضوء الشمس . ( 4 ) كداء ( بفتح الكاف ومد الدال ) : جبل بمكة . والهاء في تروها : راجعة إلى الخيل المفهومة من السياق . ورواية صدر البيت في الشوكاني 5 / 469 : ( عدمنا خيلنا . . . ) . ( 5 ) آية 32 سورة ص .